الرئيسية / الجندر والجنسانية / الجندر: سوسيولوجيا النوع الاجتماعي

الجندر: سوسيولوجيا النوع الاجتماعي


تشير الأدبيات إلى أن مصطلح جندر “النوع الاجتماعي” استخدم لأول مرة من قبل “آن أوكلى” وزملائها من الكتاب في سبعينيات القرن الماضي، وذلك لوصف خصائص الرجال والنساء المحددة اجتماعياً في مقابل تلك الخصائص المحددة بيولوجياً. 

غير أن البعض يرجح أن استخدام المصطلح وانتشاره في الأدبيات العالمية كان خلال فترة الثمانينيات من القرن الماضي،وهي الفترة التي اتسمت بمناقشات مكثفة حول أثر سياسات التكيف الهيكلي على أوضاع المرأة.
وكاتجاه عام فإن المصطلح يشير إلى التفرقة بين الذكر والأنثى على أساس الدور الاجتماعي لكل منهما تأثراً بالقيم السائدة. وفي هذا السياق، تتطلب عملية استجلاء مفهوم الجندر أو “النوع الاجتماعي” التمييز بينه وبين مفهوم الجنس أو “النوع البيولوجي”، فبينما يقتصر مصطلح الجنس Sex على الاختلافات البيولوجية بين الرجل والمرأة ويتسم بالتالي بالجبرية والاستاتيكية كون الفروق الجسدية بين الرجل والمرأة فروق ثابتة وأبدية، نجد أن مصطلح الجندر مفهوم دينامي حيث تتفاوت الأدوار التي يلعبها الرجال والنساء تفاوتاً كبيراً بين ثقافة وأخرى ومن جماعة اجتماعية إلى أخرى في إطار الثقافة نفسها، فالعرق، والطبقة الاجتماعية، والظروف الاقتصادية، والعمر، عوامل تؤثر على ما يعتبر مناسباً للنساء من أعمال. ولذا فإن طرح مفهوم الجندر كبديل لمفهوم الجنس يهدف إلى التأكيد على أن جميع ما يفعله الرجـال والنسـاء وكل ما هو متوقع منـهم، فيمـا عـدا وظائفهم الجسدية المتمايـزة جنسيـاً، يمكن أن يتغير بمرور الزمن وتبعاً للعوامل الاجتماعية والثقافية المتنوعة. 

وفيما يرى أنصار مفهوم الجندر أو النوع الاجتماعي أنه يعبر عن اجتياز آخر الحواجز على طريق تحقيق العدالة بين الرجال والنساء لأنه يشمل التحول في المواقف والممارسات في كافة المجتمعات، نجد مقابل ذلك العديد من الانتقادات للمفهوم واستخدامه، وهي تلك الانتقادات التي يمكن إجمالها في التالي: 

* يركـز مفهـوم الجنـدر علـى الأدوار الاجتماعية التي هي جزء من النظرية الوظيفية البنائية. وبينما تستبعد هذه النظرية مفاهيم القوة والصراع في تفسيرها للظواهر، يرجع إطار النوع الاجتماعي قضية المرأة إلى الاختلال في ميزان القوة والنفوذ بين الجنسين، وينادى بإعادة توزيع القوة بينهما من خلال مراجعة توزيع الأدوار والفرص. 

* ينطوي مفهوم الجندر على بعض الاتجاهات المتطرفة التي تتعامل أحياناً مع علاقة الرجل بالمرأة على أنها علاقة صفرية، وتدعو بين ما تدعو إلى إقامة مجتمع من النساء على أساس أنه المجتمع الوحيد الذي تتحقق فيه المساواة المطلقة بين أفراده، ومثل تلك الاتجاهات تتكفل بإثارة الحفيظة تجاهها حتى بين أنصار قضية المرأة أنفسهم. 

* يستخدم إطار النوع الاجتماعي الفجوة بين أوضاع الرجل والمرأة أساساً لقياس نهوض المرأة في حين أن مساواتها مع الرجل في كثير من المجالات لا يعنى بالضرورة نهوضها، إذ أن تساوى نسبة تمثيل الجنسين في المجالس النيابية على سبيل المثال قد لا يؤدى إلى اتخاذ القرارات المناسبة لتمكين المرأة إذا كان هناك ضعف في وعى النائبات البرلمانيات بقضايا المرأة. 

……………………………..
مفاهيم عامة فى الجندر(1)

ما معنى ” جندر” ؟

يرجع الفضل في استخدام مصطلح “الجندر” الى منظمة العمل الدولية؛ وهو مصطلح يشير الى العلاقات والفروقات بين الرجل والمرأة التي ترجع الى الاختلاف بين المجتمعات والثقافات والتي هى عرضة طوال الوقت للتغيير. 

ومصطلح “الجندر” لا يعد بديلا لمصطلح ” الجنس” الذي يشير بدوره الى الاختلافات البيولوجية بين الرجال والنساء. وبمعنى اخر فانه يمكن استخدام مصطلح الجنس في التعدادات الاحصائية اما ” الجندر” فيستخدم في تحليل الادوار والمسئوليات والحاجات الخاصة بكلا من الرجال والنساء في كل مكان وفي اي سياق اجتماعي. 

الابحاث الحديثة تؤكد على ان “الجندر” اصبح يعنى بما هو ابعد من الاطار الجنساني ليصل الىالمدى الذي يعني فيه بالعلاقات الاقتصادية كما ان التعريفات الجندرية جماعية ومجزأة وغير ثابتة. فالجندر عادة ما يتعلق بالديناميكيات الاثنية والطبقية. 

ما معنى المساواة الجندرية؟

المساواة الجندرية تعنى ان لا تعتمد الحقوق والمسئوليات والفرص المتاحة للنساء والرجال على كونهم ولدوا ذكوراً ام اناثاً. والمساواة الجندرية تعني ايضاً ان التوزيع المتساوى للمقدرات الاقتصادية يجب ان يفهم في اطار التوزيع المتساوى للفرص والقدرة على التأثير والقوة الاجتماعية.

ما معنى العدالة الجندرية؟

العدالة الجندرية تعنى العدالة في التعامل مع كلاً من الرجال والنساء بناء على الاحترام الكامل لاحتيجاتهم. ربما يتضمن ذلك تعاملات عادلة او تعاملات مختلفة لكنها تعتمد على المساواة في الحقوق والمكتسبات والحريات المدنية والسياسية وكذلك الفرص.

ما معنى جندرة الاتجاهات السائدة ؟

جندرة الاتجاهات السائدة هى العملية التي يتم من خلالها مراعاة ادراج النساء والرجال في كافة عمليات التخطيط بما في ذلك صنع التشريعات والسياسات والبرامج في كافة المناطق وعلى كافة المستويات. انها استراتيجية جعل اهتمامات وخبرات الرجال والنساء عناصر اساسية في تصميم وتنفيذ وتقييم السياسات والبرامج في كافة السياقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بما يضمن ان مسألة استفادة الرجال والنساء بشكل متساوى او غير متساوى من هذة السياسات والبرامج لن تكون محل نقاش. 

ما هو التحليل الجندري؟

التحليل الجندري هو اداة تحليل الفروقات بين الرجال والنساء مع مراعاة خصوصية الانشطة والظروف والاحتياجات والوسائل التي تؤثر في تحكمهم في الموارد وكذلك وسائل الافادة من التنمية واتخاذ القرار. 

ان التحليل الجندري هو الاداة التي يتم بواسطتها دراسة الروابط بين هذة العوامل وغيرها في اوسع السياقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والبيئية.

ان التحليل الجندري يتطلب، اولاً تجميع كافة المعلومات الجنسانية غير المترابطة وكذلك المعلومات ذات البعد الجندري المتعلقة بالسكان. ان التحليل الجندري هو الخطوة الاولى نحو قياس ورصد مدى تحقق العدالة على اساس الجندر في المجتمعات.
مفاهيم عالمية: التذكير وَالتأنيث (الجندر)(2)

كتابُ ” التذكير وَالتأنيث/ الجندر” حلقةٌ من سلسلةِ “مفاهيم عالمية” التي أصدرها مترجمَةً مؤخراً – ليسَ مؤخراً جداً * – المركزُ الثقافيُّ العربيُّ. وَ”مفاهيم عالمية” مشروعٌ مشترك تبنته مؤسساتٌ وَدور نشر مختلفة من أنحاء العالم – صينيةٌ وَأوروبية وَأمريكية وَ جنوبُ إفريقيةٍ وَعربيةٌ – تقومُ فكرته على انتقاءِ مصطلحٍ مُعَيّنٍ وَتناوله بالدراسة والبحث بأقلام باحثينَ من دولٍ مختلفة، وَهو بإقرارهِ عَلَناً التنوّعَ وَالخصوصيات الثقافية يرجو تبيانَ نقاطِ الالتقاءِ وَالاختلاف وَإزالةَ الناتجِ عن تداولِ مصطلحٍ ما ضمنَ أُطُرٍ وَخلفياتٍ متباينةٍ أو مختلفة.

وَقد اختِيرَ مصطلحُ “الجندر Gender ** ” ليكونَ موضوعَ دراسةِ هذا الإصدار، قدَّمَتْ حولهُ باحثاتٌ ستٌ ( هنَّ: رجاء بن سلامة من تونس، دروسلا كورنل من الولايات المتحدة، جنفييف فريس من أوروبا، سيمانتيني نيرانجانا من الهند، ليندا ولدهام من جنوب إفريقيا، وَلي كسياو-جيانج من الصين ) دراساتٍ متنوّعة. وَليس منبعُ هذا التنوّعُ اختلافُ خلفياتهنَّ الثقافية أو الأقاليم محلَّ الدراسة فقط، بل أيضاً إلى اتساعِ حقول المصطلح المختار وَمجالات بحثه.. الأمر الذي أدى إلى تعدد الزوايا التي خضعَت من خلالها “الكلمة المفتاح” للبحث.

فَـ رجاء بن سلامة – مثلاً – تركّز في مقالتها “إفراط الجندر” على الجانب الحقوقي من القضية في البلاد العربية، وَهي في ذلكَ تتقصَّى تعريف المفهوم (وَما يندرجُ تحته من قضايا المساواة وَالمثليين وَالمخنثين وَما أشبه) في خطاب السلطتين (الدينية وَالسياسية) في تراث العرب وَحاضرهم، كما تعرضُ بحثاً لُغوياً ينتهي إلى انتقادٍ حادٍ – كما هو متوقع – للأنظمة القمعية العربية.

في حينِ تَتَتّبعُ دروسلا كورنل في “نشأة مفهوم الجنس ومحنه في الولايات المتحدة” نواةَ هذا المفهوم الأولى وَتطورهُ فيما بعد ليشملَ قضايا أوسع من المساواة بينَ الجنسين، وَيتقاطعَ مع نقاطٍ حساسة في النظام القانوني وَالأخلاقي الأمريكي.. مُحدِثاً بذلك إشكالياتٍ تتعلقُ بمفاهيم العرق وَالجنس وَالحرية وَالهوية في مجتمعٍ متنوِّعِ العرقيات خاضَ صراعاتٍ لإرساءِ مفاهيمَ مثالية ثابتة.

أمَّا مقالتَيّ جنفييف فريس وَسيمانتيني نيرانجانا “تأييداً لنوعِ الجنس” وَ”الجنس في وجهيه الخاص وَالعام” فتُخضِعان للدراسةِ الكلمةَ – بما هيَ نواةُ مفهومٍ وَمفتاح بحث- وَما تحتمله من دلالاتٍ وَتثيره من إشكالاتٍ تبلغُ حدَّ التناقض. تُقدِّمُ فريس بحثاً فلسفياً شيقاً، في حينِ تموضعُ نيرانجانا “الجندر” أكثر في محيطهِ الثقافي الهندي وَتستعرض القضايا التي يثيرها مثل المساواة وَعمل المرأة وَكيفية تناول جسدها.

تمتازُ المقالةُ “جسمانية الجنس المجتمعي” لـ لي كيسياو-جيانغ بصبغته الصينيةِ القوية، فالباحثةُ تجرّدُ مفهوم التذكير وَالتأنيث تماماً من زيِّه الأوروبي حيثُ نشأ، وَتعيدُ تكوينهُ في مجتمعها الصيني مبينةً من خلال ذلك ماهيته في الذهنية الشعبية معَ ما يجرُّه ذلك من فهمٍ مختلفٍ لطبيعةِ العلاقةِ بين الجنسين.

وَيختتم الكتاب بـ “الجنس، وَالسلالة، وَالمواطن الأصلي” لـ ليندا ولدهام، وَفيه تخصُّ بالدراسةِ مدينةً ريفيةً صغيرة تُدعى “غريكاتاون” في إفريقيا الجنوبية، جاعلةً من الجنس وَالوضع الاجتماعي موضوعي بحثِها الرئيسين. وَتعرِّفُ في بحثها الأنثروبولجي سلّمَ العلاقات المختلفة في هذه المدينة التي يُشكِّلُ الانتماء مفردةً رئيسةً في عُرفها وَإليهِ تحتكمُ علاقات الرجال وَالنساء فيما بينهم وَبين بعضهم البعض.

هذه البادرة الجميلة تُحسَبُ للقائمين على المشروع، لكنَّ اتساعَ المفهوم وما استتبعَ ذلك من اختلاف زوايا البحث لم يخدِم هدفه كثيراً، إذ يصعبُ وَالحالُ كذلك إجراء مقارناتٍ سليمة وَعادلة بين الثقافات وَالوقوع على نقاطِ التشابه وَالختلافِ بينها. وَقد نجدُ للمشروع بعضَ عُذرٍ في صعوبةِ تحديدِ منهجيةٍ معينة للبحث، ففي حينِ لا تستدعي “الجندر” تعريفاً بالنسبةِ للباحثتين الأمريكية وَالفرنسية لكون أوروبا وَالولايات مهدَ هذا المفهوم، نجدُ رجاء بن سلامة تقفزُ على على تعريفِه إلى قضايا القمع وَاحتكار الكلمة في العالم العربي – وَهي همومٌ مشتركة تفرضُ نفسها بكثرةٍ على الأقلام العربية.. وَهي في ذلك ترسّخ فكرةَ تخلف العرب باستقرائها للتراثِ وَسحب استنتاجاتها على العقلية المعاصرة، أمَّا مقالةِ جيانغ الصينية فتنطوي على اعتزازٍ بهويتها إذ تُصرِّ على تشكيلِ المصطلح ضمنَ إطارٍ صينيٍّ بحت. رُغمَ ذلك – بل لأجلهِ ربما – أرجِّحُ منهجَ لي كيسياو-جيانغ ليكونَ معياراً لاشتمالهِ على الخصائص الأدعى لتقريبِ مفهومٍ ما بينَ ثقافتين أو أكثر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.